السبت، 11 مارس 2017

رؤية في قراءة النص

رؤية في قراءة النص

النص بنية مستقلة تمتلك توازناً ذاتياً

محمد عبيد الله
        كيف نقرأ النص الأدبي؟ وما هي المداخل الممكنة التي تساعد على تفكيك شبكة العلامات وفهم شفرتها؟ بل أين يكمن النص: في الكلمات_ اللغة أم في الكاتب ، أم في مسافة وسطى بين المنتج والمتلقي؟ هذه الأسئلة القليلة بعض ما يرد في سياق تداول عملية القراءة، والكيفيات التي ينبغي أن تتجه إليها، أو مجموعة الإجراءات التي يمكن أن تساهم في الاقتراب من النص، ومقاربته على نحو أفضل، وهي لا شك أسئلة مستعصية على الإجابات النهائية،، لكن تأمّلها يعمّق معنى القراءة ومدلولها، بل وظيفتها التي لا تقل أهمية عن تجربة الكتابة نفسها.
        وقد مرّت تجربة قراءة النصوص باختلاف مستواها من البسيط إلى المعقّد، من القراءة المستمتعة إلى المتبصرة، بمراحل مختلفة وباتجاهات شتى برزت في حركة النقد العربي، هذا إذا عددنا النقد تجربة عليا في القراءة. ويمكن أن نعيد أسباب الاختلاف إلى تباين المنابع في النظر إلى ملكية النص، وتباين تلك المنابع أدى إلى اختلاف القراءات وتعدد مداخلها ونتائجها وإجراءاتها وهي تعود إلى ثالوث أساسي يتمثل في الوجوه الثلاثة لعملية الإبداع: الكاتب، النص، القارئ. وهذا الثالوث هو الذي يقوم عليه نجاح عملية الاتصال الإبداعي واكتمال دائرة الرسالة الأدبية.
        الكاتب:
أمّا الكاتب وهو منتج النص، فقد قامت حوله، وانطلقت منه المدارس أو التيارات الخارجية في قراءة النص، وفي هذا السياق برزت القراءات الاجتماعية (السوسيولوجية) والنفسية (السيكولوجية) وما يشبهها، وتلك القراءات عنيت بسيرة الكاتب وتفاصيل حياته، وبيئته ونشأته، وغير ذلك من عوامل خارجية، تعتقد تلك المدارس أنها هامة في فهم الإنتاج الإبداعي، وهي تقوم على مبدأ كبير أننا لن نفهم العمل ما لم نفهم العامل، ولن نتفاعل مع الإنتاج ما دام المُنتِج غائباً، وهنا لا بد من وضع النص في سياق كاتبه، والبحث عن العوامل التي أنتجت النص أو أثّرت فيه مما له صلة بالكاتب وظروفه وعصره وبيئته.
        النص:
وقد قامت ثورة نقدية على التيار الخارجي السابق حتى كادت تقضي عليه، وكان شعارها الحياة للنص، والموت للمؤلف. ولعل المقالة الشهيرة لرولان بارت عن "موت المؤلف" هي أكبر تجلٍ لهذا التيار الذي ينطلق من النص، اعتماداً على اللغة وعلى إغلاق النص واعتباره بُنية مكتملة، مستغنية عن كل ما عداها، فالنص بنية مستقلة تمتلك توازناً ذاتياً، منفصلاً عن التاريخ، فهو مستقر، والقراءة هدفها الكشف عن السر البنيوي فيه اعتماداً على علاقاته وأنساقه الداخلية، ومن هذا الحماس للنص نشأت القراءات البنيوية والشكلية إجمالاً، وقد وظَّفت هذه التيارات كل مكتسبات اللسانيات وعلوم اللغة، وخسر النص معناه مثلما استقل عن كاتبه، فصار بلا مؤلف، نص يتيم مغلق على محتواه اللغوي. ولعل سر هذا التيار مرتبط بالثقافة الغربية التي يُعدّ ابناً شرعياً لها، إذ يبدو قتل المؤلف والاستغناء عنه امتداداً لقتل المنتِج بعامة في إطار تقدير الحضارة الغربية للإنتاج بغض النظر عن صاحبه، فما الناس إلا أدوات للإنتاج، والمهم هو الإنتاج لا المنتج.. ويمكن أن نلمّح هنا بعنوان كتاب الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي في وصف البنيوية أنها "فلسفة موت الإنسان". كما يمكن أن نذكّر بتشجيع هذه التيارات في إطار الحرب الثقافية الباردة، نظرا لأنها تعزل الكاتب والمثقف في الإطار الجمالي وتبعده عن التدخل في شؤون العصر، كردّ على إقحام الكتاب والشعراء في المعركة السياسية والاجتماعية بدعوى "الالتزام".
        القارئ:
وقد استمرت هيمنة التيارات النصّيّة، لدرجة أنها لم تؤد إلى عزل النصوص عن كتابها فقط، وإنما عن الجمهور وعن القرّاء، فلم يعد القارئ قادراً على التفاهم مع تلك القراءات المسنودة بجداول تعدّ الحروف والأفعال، وترسم أشكالاً تؤدي إلى موت النص بدلاً من إحيائه، وتؤدي إلى عُزلته عن قارئه المفترض. وهكذا نشأت نزعة جديدة تنادي بإنصاف القارئ الذي أهملته النظرية النقدية في ظل إعلائها من المؤلف والنص. وهكذا ظهر التيار الذي يتحدث عن القارئ النموذجي، الذي يشبه ما أسماه أسلافنا بالقارئ العمدة في النقد العربي القديم، وصار المبدأ كما يلي: القارئ هو المرسل إليه، وهو صاحب الكلمة الأخيرة في النص ولا معنى للنص من غير قارئ، إذن فهو الذي يحدد المعنى، ولا معنى خارج عملية التلقّي، واعتماداً على ذلك قامت مدارس الاستقبال ونظريات التلقّي وجرى تطوير نظريات التأويل. والنقد العالمي الراهن تتنازعه التيارات الثلاثة، فهي تتجاور على نحو عجيب.
        يمكن قراءة النص الواحد من هذه المراحل وما يتفرع عنها، والسر في ذلك أنّ النص المبدع قابل لقراءات شتى، فهو بما يستقر فيه من عوامل التجدد والإبداع والرؤية الممتدة يمكن أن يستوعب ما لا حدّ له من القراءة بكل مستوياتها وأبعادها.




أنواع القراءات:
        وإذا تجاوزنا الخطاطة السابقة التي تكشف عن أسباب اختلاف القراءات وتنوع مداخلها في نظرية النقد، فإننا يمكن أن نطل على مستوى آخر من القراءة وأنماطها. وهذه الأنماط أو الأنواع تعود إلى القارئ الناقد ويمكن تلخيصها فيما يأتي:
1 -    قراءة متعالية: تجد في النص ما ليس فيه أي أنها تعلو على النص، وتتعالى عليه وأهم أنماطها القراءة التأويلية والسيميائية عموماً، فهي قراءة تعتمد على إبداع الناقد القارئ العمدة. ويمكن أن تكون القراءة النصيّة من هذا النمط، لأنها تختلق بُنىً وانساقاً وعلامات لم يقصدها المبدع ولم ينشغل بها، وقد تتحول إلى نمط من تأويل النص وخنقه في قوالب لا تناسبه، وذلك عندما يبالغ فيها، فتتجاوز إمكانيات النص ومسارات الدلالة فيه، كذلك يمكن أن تعد الدراسة الأسلوبية نوعاً من القراءة المتعالية عندما تكشف ما ليس في النص وتبالغ في ربط الأنماط الأسلوبية الطبيعية في اللغة بدلالات كبرى قد لا يتيحها النص نفسه.
2 -    قراءة متعالقة: وهي القراءة المرتبطة بالتناص الذي توسع الاهتمام به مع جوليا كريستيفا وجيرار جينت صاحب نظرية جامع النص، وهنا يعدّ النص ملتقى للنصوص الأخرى، فهو نص مستقل لكنه تكوّن من نصوص أخرى حتى دون نيّة مؤلفه، وعملية القراءة تستلزم رؤيته لا مستقلاً مغلقاً، وإنما من خلال الكشف عن الروابط التعالقية في النص، وتفكيك التعالق النصي أي قراءة العمل الأدبي في ضوء مجموعة كبيرة من النصوص الأخرى التي لا تسمح للنص أن يستقل عن غيره من النصوص، لأن التناص نظرية مرتبطة باللغة وتاريخ استعمال الكلمات، فإذا استخدم المبدع لغة معينة وكتب في جنس معين فهو بالضرورة سيتعالق مع سلسلة من النصوص التي أُنتجت قبله، ولا يمكنه أن ينتج نصاً جديداً خالصا، فالتناص حتمي سواء أكان صريحاً أم ضمنياً.
3 -    قراءة متجاهلة: وهي أسوأ القراءات إذ أنها تتجاهل النص لصالح الحكم عليه بالاستحسان أو الاستهجان، وتظل تدور حول النص من دون أن تتداخل معه، فيقول صاحبها: هذا النص أعجبني، هذا جيد، وذاك رديء... من غير أن تقدم الأسباب التي أوصلت إلى هذا المستوى النهائي من التقييم الفاصل. وغالباً لا تفيد هذه القراءة في شيء لأنها قراءة معيارية تُصدر أحكاماً من دون مقدمات، إنّ المهم في القراءة فضاء التحليل لا الحكم، وعادةً ما يُترك التقييم لمراحل نهائية،أو يُسكت عنه لأنه يصبح نتيجة ضمنية يمكن استنتاجها من التحليل نفسه.

قراءة النص علم أم فن؟

تميز القرن العشرون بمكتسبات العلم الحديث والنزعة التجريبية، وبالوصول بالتقنية إلى أبعد حدودها، ولعل من أوهام الحداثة التي قامت اعتماداً على العلم وفلسفته في القرن السابق اعتقادها بأن كل شيء يمكن أن يخضع لسيطرة العلم، فيتم تعريضه لتجارب منضبطة تكشف عن محتواه ومكوّناته، وقد تأثر النقد بذلك فنشأ تيار رغب في تحويل القراءة إلى ما يشبه المختبر العلمي، بل صرنا نقرأ مصطلحات وتسميات من مثل: المختبر السردي، مختبر الشعر. وحاول بعض النقّاد اختبار إمكانية تحويل القراءة النقدية إلى دراسة علمية وموضوعية بحتة لا تختلف عن أطر العلم الحديث في شيء، لكن الطبيعة الزئبقية والتعبيرية للنص الأدبي وقفت حائلاً دون الوصول إلى هذا الهدف، لكن هذا المسعى أسهم في وصول قراءة النصوص إلى مرحلة: بين بين، فصار في النقد شيء من العلم وكثير من الفن المتصل بالذوق الجمالي.
وكل هذا المناخ القرائي مردّه إلى الفضاء الممتد في النص الأدبي.. وتعدد القراءات بمختلف مستوياتها ليس أمراً مفرغاً ولا سلبياً، وإنما هو أمر طبيعي وإيجابي في ظل تعدد الرؤى، وتطور الوعي الإنساني، وما النص إلا أفق ممتد لذلك الوعي.





















الخميس، 8 ديسمبر 2016

عالمية اللغة العربية

عالمية اللغة العربية

د.محمد عبيد الله

اللغة ليست كيانا مستقلا عن أبنائها والناطقين بها، بل إنها مرتبطة بهم أوثق رباط، فهي عنصر رئيسي من مكونات الهوية والثقافة، ولذلك  تتقدم بتقدمهم وتتراجع بتراجعهم. ولا تتفاضل اللغات كثيرا من ناحية خصائصها اللسانية، بل إن علماء اللغة يساوون من هذه الناحية بين سائر اللغات، ولكنها بلا شك تتفاضل من ناحية مضامينها ومحتوياتها الفكرية والأدبية والعلمية، وتعلو قيمة اللغة كلما زادت محتوياتها كما ونوعا، فهذه الزيادة المطردة تحوج الناس من أهلها وغير أهلها إلى تلك اللغة، فضلا عن أنها تشكل تحديات وتجارب تطور اللغة نفسها وتعلمها دروسا جديدة في التقدم والتطور.
وحال العربية اليوم لا يكاد يخفى على أحد، ويبدو أنها ما زالت تندب حظها كما صورها حافظ إبراهيم في بداية القرن العشرين وحتى اليوم. ولكنها غير ملومة على حالها الذي آلت إليه، بل لقد قاومت وما تزال تقاوم مستندة إلى عناصر القوة فيها، تلك العناصر التاريخية التي هيأتها لأن تتجاوز تحديات ومحنا لا تكاد تتوقف. ووسط عتمة الصورة هناك إضاءات وكوى نجحت اللغة في النفاذ منها، وكشفت عن بعض إمكاناتها حينما أتيح لها ذلك في فرص قليلة مقابل الإهمال من أهلها، والعداء من غيرهم ومن بعضهم. ومع إدراك مسوغات الحال فإن ترداد الشكوى وحده لا يكفي، والكلام على التحديات التي صار أكثرها معروفا معلوما لا ينفع، فنحن محتاجون إلى أن نشعل بعض الشموع أو ننتبه إلى وجودها أكثر من حاجتنا لمواصلة شتيمة الظلام.
لقد حظيت اللغة العربية بما لم تحظ به لغة أخرى من عوامل القوة والبقاء، فهي اللغة التي ولدت في مهد الأبجدية القديمة، وورثت بعض عناصر أمهاتها وأخواتها من لغات الشرق القديم، وهي لغة العرب قبل الإسلام، تظهر مكتملة ناضجة في الشعر الجاهلي لا يكاد ينقصها شيء. وهي بمجيء الإسلام  لغة القرآن ولغة الإسلام الدين الكوني الذي نزل للناس كافة، ولكن لغته الدينية والرسمية هي العربية التي تعلمتها الشعوب الأعجمية عندما دخل الناس في دين الله أفواجا. ثم غدت اللغةَ العالمية الأولى في عصر ازدهار الحضارة العربية وسيطرتها على العلم العالمي، ولا يضيرنا أن نذكر بالمراكز التي انتشرت لتعلم العربية ولنقل محتواها العلمي إلى اللغات الأوروبية، وإلى أثر ذلك المحتوى في وجوه شتى من عوامل النهضة الأوروبية وخروج أوروبا من عصر الظلمات وعصور الانحطاط. 
ولقد اصطبغت بها لغات الشعوب الإسلامية فتحولت إلى الكتابة بالحرف العربي كالفارسية والعثمانية (التركية القديمة) والأوردية. ولم تتقهقر هذه اللغة رغم مرور قرون طويلة من الحكم العثماني التركي وظلت قوتها نافذة رغم التحديات والمحن الكثيرة. وتعرضت في القرن العشرين لتجارب صعبة ومحاولات مريرة كي تنحني أمام العاميات مرة وأمام اللغات الأجنبية مرات، وأمام دعاوى لتغيير كتابتها والانقطاع عن ذاكرتها، ولكنها صمدت وبقيت حية، وماتت أكثر تلك الدعوات أو تحولت إلى تجارب جانبية لا تغير من جريان النهر المقدس شيئا.
إنها لغة عالمية ما في ذلك شك، بالنظر إلى عمرها المديد وشبابها المتجدد، وإلى محتواها الحضاري المتنوع على مر العصور، فأية لغة استمرت حية مثلها؟ وأية لغة تمكنت من تثبيت بعض قوانينها وطبائعها ولم تتسامح حيال التغير مثلها؟ إننا نقرأ بهذه اللغة من امرئ القيس حتى محمود درويش مثلا، ونقرأ بها الجاحظ كما نقرأ بها نجيب محفوظ..ولا نجد صعوبة في ذلك، بينما يشق مثلا على أبناء الإنجليزية اليوم أن يقرأوا تشوسر أو شكسبير بلغتهم قبل ثلاثة أو أربعة قرون.
 وإذا كان عدد الناطقين باللغة من أبنائها وغير أبنائها من المؤشرات المعتمدة في تصنيف اللغات، فإن اللغة العربية لغة ما يزيد على 300 مليون شخص ممن تعد العربية لغتهم الأم، وهي في المرتبة الرابعة عالميا من ناحية عدد الناطقين بها، وربما لو توفرت إحصاءات دقيقة مبرأة من الأغراض السياسية لتجاوزت الإسبانية والإنجليزية اللتين لا يبتعدان عنها من ناحية عدد الناطقين بهما من موقع "اللغة الأم"، ولنالت المرتبة الثانية بعد الصينية بيسر ودون صعوبات.  
وزيادة على ذلك فإنها اللغة الثانية للمسلمين الذين لا يمكنهم أداء عباداتهم وشعائرهم بغير العربية، بصرف النظر عن مستوى إتقانهم لها، بمجموع يصل إلى 1,6 مليار مسلم (2011) وبتوقعات لارتفاع هذا العدد إلى 2,2 مليار عام 2030 أي قرابة ربع سكان الكرة الأرضية. ومن الطبيعي والمفروض أن يكون هذا العامل سببا رئيسيا في عالمية اللغة العربية من ناحية ضرورة تعلمها واستخدامها إذا ما تذكرنا أنها اللغة الوحيدة المرتبطة ارتباطا مقدسا بواحد من الأديان الكبرى في العالم. وليس من لغة تدانيها من هذه الناحية، ولكن من جانب آخر فإن الحرب التي تشن على الإسلام وأهله تستهدف اللغة فيما تستهدفه لأنها إحدى جبهات الإسلام وحضارته.
إنها لغة عالمية، بعدد الناطقين بها، والمحتاجين إليها من غير أبنائها، هذا إذا تجاوزنا أعدادا كبيرة تعلموها ويتعلمونها لأسباب ثقافية وأمنية وسياسية، ولقد زاد هذا العدد في السنوات الأخيرة، وهو مرشح للزيادة في الأفق القريب. ولقد كانت هذه الخلفية سببا في اختيارها منذ عام 1973 ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة والمنظمات المتفرعة عنها والتابعة لها.
 ومما يمكن الإشارة إليه أن منظمة التجارة العالمية "الجات" تعتمد ثلاث لغات رسمية هي: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية. وهناك ضغوطات ومطالبات من الأطراف العربية منذ عدة سنوات بأن تعتمد العربية ضمن اللغات الرسمية لهذه المنظمة الدولية. وآخر هذه المحاولات ما انتهى إليه وزراء التجارة العرب من الاتفاق على هذا المطلب وتقديمه في اجتماع جنيف الذي انعقد منتصف هذا الشهر، ووردت المطالبة بصراحة على لسان وزيرة التجارة الكويتية، ولكن انتهت الاجتماعات دون الموافقة على هذا المطلب فضلا عن عرقلة حصول الجامعة العربية على مقعد بصفة مراقب دائم. وهو ما يشير إلى بعض جوانب الصراع ضد العرب والعربية في المحافل الدولية. ومن المعروف أن إدخال اللغة العربية يعني ترجمة وثائق هذه المنظمة واتفاقاتها وأدبياتها كافة إلى العربية بشكل دائم، وهو أمر حيوي سواء من ناحية تواصل الناطقين بالعربية مع أدبيات المنظمة وقراراتها أو الأثر الإيجابي الذي يزيد من فرص العربية في تفاعلها مع لغة التجارة والاقتصاد، وما يتضمنه ذلك من الاعتراف بمكانتها وعالميتها، وهو أمر نأمل أن تواصل الدول العربية المؤثرة اقتصاديا وتجاريا المطالبة به وعدم التنازل عنه.
ومن ناحية بروزها على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) فرغم أن الأرقام والنسب لا تعكس قوة اللغة العربية ولا مكانتها ورغم الإهمال الذي يحيط بها ورغم أن القواعد والاسس التقنية التي بنيت عليها الشبكة ليست أسسا عادلة من الناحية التقنية واللغوية، فقد ظلت اللغة العربية تظهر ضمن لغات الإنترنت العالمية، وموقعها يتقدم باطراد مع كل إحصاء، ولقد ظهرت في الترتيب السابع من ناحية عدد المستخدمين لها على الشبكة العالمية متقدمة على لغات كثيرة منها الفرنسية والروسية والكورية. كما سجلت المرتبة الثامنة عشرة من حيث اللغات الخمسون الأكثر بروزا في الترجمة.
وفي إحدى النظرات الاستشرافية توقع الكاتب الإسباني (كاميلو جوزي سيلا) الحائز على نوبل عام 1989 أن اللغات القادرة على الصمود في وجه تغيرات العصر أربع لغات: الإنجليزية والإسبانية والعربية والصينية. وهي نظرة تستند إلى عوامل الانتشار والقوة الذاتية في هذه اللغات.
لقد تعددت دعاوى الموت، موت اللغة العربية وانحسارها في مراحل مختلفة، ثم عاودت الظهور مع مرحلة ثورة الاتصالات والعولمة، ومعظم هذه الدعوات مصدرها الخوف الشديد المبالغ فيه من اللغة العربية من فئة معادية للغة وللثقافة العربية، ومن فئة ثانية تخاف على اللغة فتجعل هذه الدعوى سبيلا للصدمة لعل النائمون يستيقظون ويهبون لنجدة لغتهم. ولكنها دعاوى لا نحسب أن شيئا منها سيتحقق، لأسباب كثيرة دينية وثقافية ولغوية متعاضدة متشابكة.
ولقد بدت عالمية العربية في محتواها الأدبي والفكري والإعلامي الذي أسهم في تطويرها في العصر الحديث فقطعت شوطا طويلا في التطور من هذا الجانب، ومن يراجع تطور الأدب الحديث وتطور الصحافة العربية وتطور الفكر العربي الحديث سيعرف مقدار طواعية هذه اللغة ومرونتها وإمكاناتها وكذلك سيطل على الجهد الكبير الذي بذله الأدباء والمفكرون والإعلاميون العرب مما مكنهم من تطويع العربية للعصر الجديد كلغة فكر وأدب وإعلام حديث متجدد. ولقد تمكن نجيب محفوظ رائد لارواية العربية من الحصول على جائزة نوبل العالمية ولقد لفت هذا الفوز الانتباه للعربية الحديثة المتطورة، وعزز شيئا من مكانتها بين اللغات العالمية.
أما الجانب الذي لم يتح للعربية ان تحقق إنجازات ملائمة فيه فهو الجانب العلمي والتقني، فلقد شهد العصر الحديث ثورة علمية وتقنية متسارعة، حاولت العربية اللحاق به ومواكبته ولكن تعرضت التجربة لكثير من الانتكاس ولبست لبوسا سياسيا وتعليما ظل يشدها إلى الوراء ويمنعها من تجريب حظها ومن التطور العلمي ومن التفاعل مع العلم الحديث. ولعل قضية تعريب العلوم وتعليمها بالعربية من أبرز قضايا هذا المحور. فلقد استسلمت الجامعات العربية للتعليم باللغات الاجنبية وظلت تجارب التعريب محدودة مرتبكة.
ونحن حين نعرض للعربية لا نريدها أن تغدو لغة أدب وفكر فحسب، ولكننا نريدها لغة متكاملة حية قادرة على استيعاب المحتويات العلمية والتقنية، ولكن هذا الجانب لا يمكن النهوض به من دون أن يتجه أبناء العربية من العلماء والمتخصصين في العلوم المختلفة إلى تعميق البعد العلمي في العربية تعريبا وتأليفا وتطويرا. فنحن نحتاج إلى نهوض حركة بحث علمي بالعربية، في مجالات تكنولوجيا المعلومات وغيرها، ومحتاجون إلى استكمال الجهود في تعريب المصطلحات، وإلى عدم الاستسلام إلى السهولة باستخدام الإنجليزية وحدها. فذلك لا يسمح بتوطين العلم ولا يمنح فرصة للإسهام العربي الحقيقي للغة العربية.
لقد نجحت اللغة العربية في العصور العباسية لان تكون اللغة العالمية الاولى كلغة علمية تطلع الأوروبيون إلى تعلمها لكنهم لم ينتموا إليها إنتماؤنا إلى لغاتهم اليوم، ولم يستسلموا إليها كما نستسلم اليوم وما أسرع أن تشرّبوا علمها وتفاعلوا معه ليكون أحد مكونات نهضتهم اللاحقة وخروجهم من عصر الظلمات الذي كانوا يعيشون فيه. نحن اليوم في مرحلة جديدة من الظلمة الحضارية وليست مكانة اللغة إلا أحد مؤشرات هذا العصر. وما ندعو إليه من العودة إلى أوليات الأمور من ناحية استخدام اللغة العربية كلغة علم ومعرفة علمية أحد مؤشرات الخروج.




عالمية اللغة العربية

د.محمد عبيد الله

اللغة ليست كيانا مستقلا عن ابنائها والناطقين بها، بل إنها مرتبطة بهم أوثق رباط، فهي عنصر رئيسي من مكونات الهوية والثقافة، ولذلك  تتقدم بتقدمهم وتتراجع بتراجعهم. ولا تتفاضل اللغات كثيرا من ناحية خصائصها اللسانية، بل إن علماء اللغة يساوون من هذه الناحية بين سائر اللغات، ولكنها بلا شك تتفاضل من ناحية مضامينها ومحتوياتها الفكرية والأدبية والعلمية، وتعلو قيمة اللغة كلما زادت محتوياتها كما ونوعا، فهذه الزيادة المطردة تحوج الناس من أهلها وغير أهلها إلى تلك اللغة، فضلا عن أنها تشكل تحديات وتجارب تطور اللغة نفسها وتعلمها دروسا جديدة في التقدم والتطور.
وحال العربية اليوم لا يكاد يخفى على أحد، ويبدو أنها ما زالت تندب حظها كما صورها حافظ إبراهيم في بداية القرن العشرين وحتى اليوم. ولكنها غير ملومة على حالها الذي آلت إليه، بل لقد قاومت وما تزال تقاوم مستندة إلى عناصر القوة فيها، تلك العناصر التاريخية التي هيأتها لأن تتجاوز تحديات ومحنا لا تكاد تتوقف. ووسط عتمة الصورة هناك إضاءات وكوى نجحت اللغة في النفاذ منها، وكشفت عن بعض إمكاناتها حينما أتيح لها ذلك في فرص قليلة مقابل الإهمال من أهلها والعداء من غيرهم ومن بعضهم. ومع إدراك كل مسوغات الحال فإن ترداد الشكوى وحده لا يكفي، والكلام على التحديات التي صار أكثرها معروفا معلوما لا ينفع، فنحن محتاجون إلى أن نشعل بعض الشموع أو ننتبه إلى وجودها أكثر من حاجتنا لمواصلة شتيمة الظلام.
لقد حظيت اللغة العربية بما لم تحظ به لغة أخرى من عوامل القوة والبقاء، فهي اللغة التي ولدت في مهد الأبجدية الأقدم في تاريخ الإنسان، وورثت بعض عناصر أمهاتها وأخواتها من لغات الشرق القديم، وهي لغة العرب قبل الإسلام، تظهر مكتملة ناضجة في الشعر الجاهلي لا يكاد ينقصها شيء. وهي بمجيء الإسلام  لغة القرآن ولغة الإسلام الدين الكوني الذي نزل للناس كافة، ولكن لغته الدينية والرسمية هي العربية، التي تعلمتها الشعوب الأعجمية عندما دخل الناس في دين الله أفواجا، ثم غدت اللغة العالمية الأولى في عصر ازدهار الحضارة العربية وسيطرتها على العلم العالمي، ولا يضيرنا أن نذكر بالمراكز التي انتشرت لتعلم العربية ولنقل محتواها العلمي إلى اللغات الأوروبية، وإلى أثر ذلك المحتوى في وجوه شتى من عوامل النهضة الأوروبية وخروج أوروبا من عصر الظلمات وعصور الانحطاط. ولقد اصطبغت بها لغات الشعوب الإسلامية فتحولت إلى الكتابة بالحرف العربي كالفارسية والعثمانية (التركية القديمة) والأوردية. ولم تتقهقر هذه اللغة رغم مرور قرون طويلة من الحكم العثماني التركي وظلت قوتها نافذة رغم التحديات والمحن الكثيرة. وتعرضت في القرن العشرين لتجارب صعبة ومحاولات مريرة كي تنحني أمام العاميات مرة وأمام اللغات الأجنبية مرات، وأمام دعاوى لتغيير كتابتها والانقطاع عن ذاكرتها، ولكنها صمدت وبقيت حية، وماتت أكثر تلك الدعوات أو تحولت إلى تجارب جانبية لا تغير من جريان النهر المقدس شيئا.
إنها لغة عالمية ما في ذلك شك، بالنظر إلى عمرها المديد وشبابها المتجدد، وإلى محتواها الحضاري المتنوع على مر العصور، فأية لغة استمرت حية مثلها؟ وأية لغة تمكنت من تثبيت بعض قوانينها وطبائعها ولم تتسامح حيال التغير مثلها؟ إننا نقرأ بهذه اللغة من امرئ القيس حتى محمود درويش مثلا، ونقرأ بها الجاحظ كما نقرأ بها نجيب محفوظ..ولا نجد صعوبة في ذلك، بينما يشق مثلا على أبناء الإنجليزية اليوم أن يقرأوا تشوسر أو شكسبير بلغتهم قبل ثلاثة أو أربعة قرون.
 وإذا كان عدد الناطقين باللغة من أبنائها وغير أبنائها من المؤشرات المعتمدة في تصنيف اللغات، فإن اللغة العربية لغة ما يزيد على 300 مليون شخص ممن تعد العربية لغتهم الأم، وهي في المرتبة الرابعة عالميا من ناحية عدد الناطقين بها، وربما لو توفرت إحصاءات دقيقة مبرأة من الأغراض السياسية لتجاوزت الإسبانية والإنجليزية اللتين لا يبتعدا عنها من ناحية عد الناطقين بهما من موقع "اللغة الأم"، ولنالت المرتبة الثانية بعد الصينية بيسر ودون صعوبات.  وزيادة على ذلك فإنها اللغة الثانية للمسلمين الذين لا يمكنهم أداء عباداتهم وشعائرهم بغير العربية بصرف النظر عن مستوى إتقانهم لها، بمجموع يصل إلى 1,6 مليار مسلم (2011) وبتوقعات لارتفاع هذا العدد إلى 2,2 مليار عام 2030 أي قرابة ربع سكان الكرة الأرضية. ومن الطبيعي والمفروض أن يكون هذا العامل سببا رئيسيا في عالمية اللغة العربية من ناحية ضرورة تعلمها واستخدامها إذا ما تذكرنا أنها اللغة الوحيدة المرتبطة ارتباطا مقدسا بواحد من الأديان الكبرى في العالم. وليس من لغة تدانيها من هذه الناحية، ولكن من جانب آخر فإن الحرب التي تشن على الإسلام وأهله تستهدف اللغة فيما تستهدفه لأنها إحدى جبهات الإسلام وحضارته.
إنها لغة عالمية، بعدد الناطقين بها، والمحتاجين إليها من غير أبنائها، هذا إذا تجاوزنا أعدادا كبيرة تعلموها ويتعلمونها لأسباب أمنية وسياسية، ولقد زاد هذا العدد في السنوات الاخيرة وهو مرشح للزيادة في الأفق القريب. ولقد كانت هذه الخلفية سببا في اختيارها منذ عام 1973 ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة والمنظمات المتفرعة عنها والتابعة لها.
 ومما يمكن الإشارة إليه أن منظمة التجارة العالمية "الجات" تعتمد ثلاث لغات رسمية هي: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية. وهناك ضغوطات ومطالبات من الأطراف العربية منذ عدة سنوات بأن تعتمد العربية ضمن اللغات الرسمية لهذه المنظمة الدولية. وآخر هذه المحاولات ما انتهى إليه وزراء التجارة العرب من الاتفاق على هذا المطلب وتقديمه في اجتماع جنيف الذي انعقد منتصف هذا الشهر، ووردت المطالبة بصراحة على لسان وزيرة التجارة الكويتية، ولكن انتهت الاجتماعات دون الموافقة على هذا المطلب فضلا عن عرقلة حصول الجامعة العربية على مقعد بصفة مراقب دائم. وهو ما يشير إلى بعض جوانب الصراع ضد العرب والعربية في المحافل الدولية. ومن المعروف أن إدخال اللغة العربية يعني ترجمة وثائق هذه المنظمة واتفاقاتها وأدبياتها كافة إلى العربية بشكل دائم، وهو أمر حيوي سواء من ناحية تواصل الناطقين بالعربية مع أدبيات المنظمة وقراراتها أو الأثر الإيجابي الذي يزيد من فرص العربية في تفاعلها مع لغة التجارة والاقتصاد، وما يتضمنه ذلك من الاعتراف بمكانتها وعالميتها، وهو أمر نأمل أن تواصل الدول العربية المؤثرة اقتصاديا وتجاريا المطالبة به وعدم التنازل عنه.
ومن ناحية بروزها على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) فرغم أن الأرقام والنسب لا تعكس قوة اللغة العربية ولا مكانتها ورغم الإهمال الذي يحيط بها ورغم أن القواعد والاسس التقنية التي بنيت عليها الشبكة ليست أسسا عادلة من الناحية التقنية واللغوية، فقد ظلت اللغة العربية تظهر ضمن لغات الإنترنت العالمية، وموقعها يتقدم باطراد مع كل إحصاء، ولقد ظهرت في الترتيب السابع من ناحية عدد المستخدمين لها على الشبكة العالمية متقدمة على لغات كثيرة منها الفرنسية والروسية والكورية. كما سجلت المرتبة الثامنة عشرة من حيث اللغات الخمسون الأكثر بروزا في الترجمة.
وفي إحدى النظرات الاستشرافية توقع الكاتب الإسباني (كاميلو جوزي سيلا) الحائز على نوبل عام 1989 أن اللغات القادرة على الصمود في وجه تغيرات العصر أربع لغات: الإنجليزية والإسبانية والعربية والصينية. وهي نظرة تستند إلى عوامل الانتشار والقوة الذاتية في هذه اللغات.
لقد تعددت دعاوى الموت، موت اللغة العربية وانحسارها في مراحل مختلفة، ثم عاودت الظهور مع مرحلة ثورة الاتصالات والعولمة، ومعظم هذه الدعوات مصدرها الخوف الشديد المبالغ فيه من اللغة العربية من فئة معادية للغة وللثقافة العربية، ومن فئة ثانية تخاف على اللغة فتجعل هذه الدعوى سبيلا للصدمة لعل النائمون يستيقظون ويهبون لنجدة لغتهم. ولكنها دعاوى لا نحسب أن شيئا منها سيتحقق، لأسباب كثيرة دينية وثقافية ولغوية متعاضدة متشابكة.
ولقد بدت عالمية العربية في محتواها الادبي والفكري والإعلامي الذي أسهم في تطويرها في العصر الحديث فقطعت شوطا طويلا في التطور من هذا الجانب، ومن يراجع تطور الأدب الحديث وتطور الصحافة العربية وتطور الفكر العربي الحديث سيعرف مقدار طواعية هذه اللغة ومرونتها وإمكاناتها وكذلك سيطل على الجهد الكبير الذي بذله الأدباء والمفكرون والإعلاميون العرب مما مكنهم من تطويع العربية للعصر الجديد كلغة فكر وأدب وإعلام حديث متجدد. ولقد تمكن نجيب محفوظ رائد لارواية العربية من الحصول على جائزة نوبل العالمية ولقد لفت هذا الفوز الانتباه للعربية الحديثة المتطورة، وعزز شيئا من مكانتها بين اللغات العالمية.
أما الجانب الذي لم يتح للعربية ان تحقق إنجازات ملائمة فيه فهو الجانب العلمي والتقني، فلقد شهد العصر الحديث ثورة علمية وتقنية متسارعة، حاولت العربية اللحاق به ومواكبته ولكن تعرضت التجربة لكثير من الانتكاس ولبست لبوسا سياسيا وتعليما ظل يشدها إلى الوراء ويمنعها من تجريب حظها ومن التطور العلمي ومن التفاعل مع العلم الحديث. ولعل قضية تعريب العلوم وتعليمها بالعربية من أبرز قضايا هذا المحور. فلقد استسلمت الجامعات العربية للتعليم باللغات الاجنبية وظلت تجارب التعريب محدودة مرتبكة.
ونحن حين نعرض للعربية لا نريدها أن تغدو لغة أدب وفكر فحسب، ولكننا نريدها لغة متكاملة حية قادرة على استيعاب المحتويات العلمية والتقنية، ولكن هذا الجانب لا يمكن النهوض به من دون أن يتجه أبناء العربية من العلماء والمتخصصين في العلوم المختلفة إلى تعميق البعد العلمي في العربية تعريبا وتأليفا وتطويرا. فنحن نحتاج إلى نهوض حركة بحث علمي بالعربية، في مجالات تكنولوجيا المعلومات وغيرها، ومحتاجون إلى استكمال الجهود في تعريب المصطلحات، وإلى عدم الاستسلام إلى السهولة باستخدام الإنجليزية وحدها. فذلك لا يسمح بتوطين العلم ولا يمنح فرصة للإسهام العربي الحقيقي للغة العربية.
لقد نجحت اللغة العربية في العصور العباسية لان تكون اللغة العالمية الاولى كلغة علمية تطلع الأوروبيون إلى تعلمها لكنهم لم ينتموا إليها إنتماؤنا إلى لغاتهم اليوم، ولم يستسلموا إليها كما نستسلم اليوم وما أسرع أن تشربوا علمها وتفاعلوا معه ليكون أحد مكونات نهضتهم اللاحقة وخروجهم من عصر الظلمات الذي كانوا يعيشون فيه. نحن اليوم في مرحلة جديدة من الظلمة الحضارية وليست مكانة اللغة إلا أحد مؤشرات هذا العصر. وما ندعوا إليه من العودة إلى أوليات الامور من ناحية استخدام اللغة العربية كلغة علم ومعرفة علمية أحد مؤشرات الخروج.




الجمعة، 8 أبريل 2016

الأنواع السردية عند العرب

الأنواع السردية عند العرب: منظور تجنيسي
محمد عبيد الله
          لم يتوقف البحث في نظرية الأجناس بالرغم مما تعرضت له النظرية من تحولات وتطورات، من مطلق الاحتكام إليها والانطلاق منها، إلى مطلق الدعوة إلى تقويضها والثورة عليها، وخصوصا في موجة ما بعد الحداثة، بـ (ما بعدياتها) وتجاوزاتها وتقويضاتها التي أخذت صيغة دعوات قطعية ترفض وتهدم ولا تبني أو تقترح، أي أنها أخذت صيغا شعاراتية أكثر منها فعلية، المهم أنها رفضت المنظور التجنيسي كما هو شأن مفاهيم ومداخل راسخة أخرى فصار بالإمكان الحديث عن: ما بعد الاجناس أو موت الأجناس ضمن سلسلة "الأموات" الذين توهمت حركة ما بعد الحداثة إمكانية إقصائهم أو قتلهم.
           ولكن يبدو أن المفاهيم الكبرى عصية على الموت، ومنها مفهوم الأجناس الذي تجدد البحث فيه ولم يمكن إقصاؤه من ساحة النقد والدراسة الأدبية. وقد تكون مثل هذه الدعوة بموت الأجناس أو تجاوزها مفهومة ضمن سياق الثقافة الغربية التي أشبعت هذا المدخل بحثا وجدلا من أفلاطون وأرسطو وصولا إلى هيجل وكروتشه ولوكاش، وفي العقود الأخيرة تناولها تودروف ونورثروب فراي وجيرار جينيت وجان ماري شيفر وروبرت شولز وغيرهم كثير ممن انطلقوا من هذه النظرية وجددوا البحث فيها اعتمادا على اقتراح مداخل جديدة للتجنيس والتصنيف وعلاقات الأنواع والأجناس.
          أما في المستوى العربي فلم تأخذ الدراسة الأجناسية حقها حتى اليوم، وليس في المكتبة العربية إلا بضعة بحوث وكتابات معظمها أقرب لتلخيص آراء الكتاب الغربيين، وقليل منها ينطوي على أصالة في النظر والتناول. وهذا يعني أن التجنيس محتاج لمزيد من الاهتمام فيما يخص النظرية أو تطبيقاتها ، دون أن نصادر هذا النوع من الدراسة جريا وراء "الموضة" الأدبية ومقتضياتها.
          ينطوي مفهوم التجنيس على نظرة تصنيفية تهدف إلى التبويب والتوزيع، وقد سعى الإنسان إلى تصنيف سائر الظواهر البشرية والطبيعية، بهدف فهمها ومحاورتها. فالتصنيف أمر مركزي وأساسي في تحليل مختلف الظواهر المحيطة بالإنسان. وليس الأدب ظاهرة استثنائية ضمن دائرة إدراك الإنسان وإنتاجه وإبداعه، فكما يمكن تصنيف أنواع النبات والحيوان يمكن تصنيف مختلف الظواهر على حد سواء.
          هذه النظرة التصنيفية تبدو من الأمور المقررة عند دارسي الأجناس الأدبية، ولكن البحث لا يتوقف عندها بل يتجاوزها إلى الاختلاف في منطلقات التصنيف وأسسه، وكلما تغير المدخل التصنبفي تتغير الأنواع تبعا لذلك، كما يدخل في الدراسة الأجناسية مسألة المقابلة بين الأجناس والبحث في المؤتلف والمختلف بينها، وهجرة الأجناس وتحولاتها وتداخلها وميلادها وانقراضها، وأحيانا ربط ذلك كله بأحوال معينة في المحيط الطبيعي أو الاجتماعي أو الثقافي..لتفسير تنوع الأجناس أو تحولاتها أو انقراض بعضها وموتها.
          وكما يشير محمد الهادي الطرابلسي  فيمكننا أن نشير إلى أهمية المدخل الأجناسي في مجال الدراسة والممارسة النقدية حتى وإن لم يكن شرطا مسبقا للإنتاج الإبداعي، "فليست معرفة الأجناس الأدبية شرطا في الكتابة الأدبية، وإنما هي تمثل شرط الانطلاق في العملية النقدية، هي عملية رصد للحركة الإبداعية والنصوص التي تنتجها لفهم الأسباب والمسببات وتمييز العوامل الطارئة وتقدير مدى التغير وحصر مجالات التطور"(1).
          أما مصطلح السرد فنستخدمه هنا تسمية لجنس أدبي له مواصفات معينة، دون أن نلغي محمولاته ودلالاته الأخرى المعروفة، ويمكن استعارة صياغة سعيد يقطين في تحديد هذا المصطلح بحيث يغدو السرد العربي: " المفهوم الجامع لكل التجليات المتصلة بالعمل الحكائي، ويتسع لكل ما تفرق في مصطلحات عربية قديمة وحديثة تتصل كلها بصيغة أو بأخرى بأحد الأنواع الحكائية، ولم يرق أي منها ليكون في الاستعمال العربي ذلك المفهوم الجامع الذي يتخذ بعد الجنس". ويستند هذا الاختيار لمفهوم السرد " ليكون المفهوم الجامع لمختلف الممارسات التي تنهض على أساس وجود "مادة حكائية" إلى الانطلاق من مقولة الصيغة التي توظف في تقديم المادة الحكائية. وليست الصيغة هنا غير السرد الذي يضطلع به الراوي، وذلك على اعتبار أن صيغة السرد هي المقولة المحددة لأي عمل سردي من جهة، ومن جهة ثانية لأنها المقولة الجامعة التي تلتقي بواسطتها كل الأعمال الحكائية، ومن خلالها أخيرا تتجسد، وبها تختلف عن غيرها من الأجناس. وتبعا لهذه التحديدات يغدو السدر العربي هو   الجنس الذي توظف فيه صيغة السرد وتهيمن على باقي الصيغ في الخطاب، ويحتل فيه الراوي موقعا هاما في تقديم المادة الحكائية"(2).
          وما يقع ضمن مسمى "السرد العربي" مادة حكائية واسعة ممتدة زمانا ومكانا، ولم تحظ هذه المادة باهتمام النقد العربي القديم فلم يتناولها ولم يعن بتجنيسها، بل إن الاعتراف بالسرد من ناحية انتمائه للأنواع الأدبية يبدو أمرا متأخرا في النقد العربي الذي عني بنقد الشعر أوضح عناية، وأما الإشارات القليلة إلى بعض الأعمال الحكائية فتفيد بأن الوعي العربي والنقد العربي القديم نظرا بارتياب إلى السرد وأصحابه، ولم يعترف بأدبية السرد إلا في حدود ضيقة وهامشية ونادرة.
          نظر النقد العربي القديم إلى الأجناس ضمن منظور ثنائي: المنظوم والمنثور، أو الشعر والنثر، ولعل السرد عند من اعترف به ينضوي تحت صيغة النثر، ولكن هذه الصيغة عندهم تشير غالبا إلى أنواع نثرية غير قصصية، كالخطب والرسائل والوصايا وأنواع مشابهة نالت شيئا من الرضا، أما الأنواع السردية فكانت غالبا خارج الاعتراف والاهتمام النقدي والسلطوي.
          وفي سياق إعادة الاعتبار للسرد نعيد النظر في المبدأ الثنائي لتقسيم الأجناس عند العرب، ونقترح مبدأ ثلاثيا(3) عوضا عن التقسيم الثنائي الذي يغيّب السرد وينفيه، وفي ضوء هذا الاجتهاد تغدو الصيغ الأجناسية الكبرى عند العرب ثلاث صيغ أساسية هي:
  1. الشعر، وهو جنس شديد الوضوح، مشبع بالتعريف والتمييز، وله أنواع متعددة عند العرب منها: القصيدة، والرجز، والموشح وغيرها. كما جرى تقسيمه إلى أنواع من منظور الأغراض، كأن يقال: المديح والغزل والرثاء...
  2. النثر، ونعني به وفق مبدأ التقسيم الثلاثي للصيغ الجامعة: النثر غير القصصي. ويضم أنواعا من مثل: الخطبة وسجع الكهان والأمثال والأقوال السائرة والحكم والوصية والرسالة والتوقيعات وغيرها.
  3. السرد، وأما السرد فيغدو صيغة أجناسية جامعة للأنواع والأنماط ذات الصفة القصصية والحكائية.
          وإذا كان النقد القديم لا يفيدنا في حصر المادة السردية وتصنيفها، فإن ما وصلنا من المادة الحكائية أو ما وصلنا من ذكر لها أو لبعض أجزائها يمكن أن يكون مدخلا للتصنيف ولو بأثر رجعي، أي الانطلاق من النص إلى الجنس وليس من الجنس إلى النص، أما التسميات فيمكن اختيارها واقتراحها اعتمادا على التراث الحكائي نفسه من بين المصطلحات والتسميات السردية التي لم يقيض لها ما يناسبها من اهتمام نقدي يبلورها ويطورها على مستوى الأنواع السردية الواضحة.
          واعتمادا على جهد عدد من الباحثين في مجال السرديات وعلى جهدنا في هذا المجال يمكن تسمية المصطلحات/الأنواع التالية: القصة/الخبر/الحكاية/السيرة/الأسمار/الخرافة/الأسطورة (أساطير الأولين)/الرواية/النادرة/الطرفة والملحة (الحكاية المرحة)/المثل/الكرامة الصوفية/الرسالة القصصية/الرحلة/المقامة/المنامة/النبأ/تكاذيب الأعراب....
القصة/القصص:
نلاحظ أن المصطلح الشامل عند العرب هو: القَصص، بفتح القاف، وهو كما يبدو اللفظ العربي الذي يقابل مصطلح السرد Narration بالمدلول المعاصر والشائع ﻓﻲ وقتنا الراهن، ووفق ما جاء ﻓﻲ معجم (لسان العرب) لابن منظور فإن لفظة: قَصّ – قَصَص: تحمل مدلولات كثيرة، واعتمادا على ما جاء فيه يمكن أن نتبيّن ما يلي(4):
- اللفظة العربية التي تطلق اسماً على المرويات السردية بأشكالها المختلفة هي: القَصص، وهي ﻓﻲ الأصل مصدر الفعل قَصّ، ثم استخدمت استخدام الاسم لشيوعها وغلبة إطلاقها على ذلك النوع الأدبي.
- استخدم ابن منظور مصطلحات أو ألفاظاً ثلاثة: قِصة – خبر – قَصَص، وعدها كما يبدو مترادفات ولم يحاول التمييز بينها أو بيان علاقة الجزء بالكل، فهي عنده واحدة ﻓﻲ دلالتها أو معناها.
- القَصّ مرتبط بالإخبار، وبالتتبّع، ينطلق من المادي (تتبع الأثر) ويمضي باتجاه المعنوي (تتبع الأحداث أو تفاصيل الكلام والمعاني).
- هناك علاقة ما بين القَص والليل، (قصّ آثارهم: تتبعها بالليل) ويمكن أن نتذكر أن طائفة واسعة من القصة العربية ترتبط بالليل (حديث الليل – قصص السمر).
- القصة يمكن أن تكون مكتوبة (القِصص: جمع القصة التي تكتب) ويمكن أن تروى مشافهة (ربطها بالخطبة الشفوية بطبيعتها).
          ونتفق مع الناقد والباحث التونسي محمد القاضي في مجمل ملاحظاته حول مصطلح "قصة-قصص"، فهو حقا مصطلح شائع، منذ استخدام صيغته القرآنية: قصص (بالفتح)التي حملت اسمها السورة الثامنة والعشرون في القرآن كما "وردت الكلمة خمس مرات في صيغة الاسم (القصص) وهي ذات معنى إيجابي، إذ هي تدل في الغالب على ما تضمنه القرآن من قصص". ويشير محمد القاضي إلى أن الكلمة جرت على ألسنة الأدباء غير مقتصرة على المجال الديني، ويمثل على ذلك باستعمال الجاحظ لها في عناوين كتاب البخلاء وفي متنه أيضا. ولكنها ظلت تحمل مدلولا واسعا بعيدا عن التحديد أو الانضباط في نوع سردي محدد المعالم، "فظلت تدل على السرد عامة دون أن يدقق معناها على غرار ما أصبح لها في القرون اللاحقة"(5).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
(1) من كلمة محمد الهادي الطرابلسي في مفتتح ندوة:مشكل الجنس الأدبي في الأدب العربي القديم التي نظمها قسم العربية بآداب منوبة-تونس في نيسان (إفريل) 1993، ونشرت أعمال الندوة ضمن منشورات كلية الآداب-منوبة 1994.
 (2)  سعيد يقطين، السرد العربي مفاهيم وتجليات، دار رؤية، القاهرة، 2006، ص 86-87.
 (3) اقترحنا هذا التقسيم الثلاثي أول مرة في ندوة الأجناس الأدبية التي عقدها قسم اللغة العربية بجامعة فيلادلفيا في كانون الثاني 2005، ثم أشرنا إليه في كتابنا: بنية الرواية القصيرة، دار أزمنة، عمان، 2006. 
 (4) عرضنا لهذا التحليل وما يتصل به تفصيلا في بحثنا: السرد العربي القديم من الهامش إلى المركز، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت، ع 98، ربيع 2007.
 (5) محمد القاضي، الخبر في الأدب العربي-دراسة في السردية العربية، منشورات كلية الآداب منوبة، تونس، 1998، ص69-72.


الأحد، 28 يونيو 2015

النثر في الشعر: تجربة محمود درويش (ملخص بحث)

النثر في الشعر: صور من التفاعل في تجربة محمود درويشد.محمد عبيد اللهيناقش هذا البحث إمكانية إفادة الشعر من طاقات النثر، ويتخذ من تجربة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش مثالا للتطبيق، فقد انتبه درويش لتلك الطاقات النثرية وسعى للإفادة منها في عدد من دواوينه وخصوصا بعد منتصف الثمانينيات. وتناول البحث الإفادة من نثرية السرد في مراثي درويش حيث أفاد من خصائص السرد وعناصره، وأفاد من انفتاحه على الواقع والحياة اليومية. وكذلك تبدت مظاهر النثر في نظام التفقير (شكل الفقرة وليس السطر) مما تجلى في ديوان (ورد أقل) ووقف البحث عند اجتهاد درويش في تنويع الإيقاع عبر النثر في دواوين كاملة صاغها على تفعيلة واحدة (فعولن). وانتهى البحث مع محاولة درويش الوصول إلى صيغة نصّ عليها التوحيدي في القرن الخامس الهجري تتمثل في قاعدة: "أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم". ولكن الباحث يحسب أن هذه القاعدة ظلت عند درويش في إطار المحلوم به والمرغوب فيه، إذ لم يتمكن من تطبيقها نظرا لأن طاقته الإيقاعية وتدفقه الشعري هما ما ظل غلابا في شعره الأخير.(البحث منشور في مجلة الأثر-جامعة ورقلة –الجزائر، ع17)

الاثنين، 8 يونيو 2015

القدس والأدب والثقافة


الثقافة والأدب والقدس
د.محمد عبيد الله
(1)
ما القدس؟
 أهي صعبة التعريف؟ أم أنها من البدهيات؟ ومن باب "المعرف" و"المعروف" مما لا يلزمه التعريف؟ أنأخذ تعريفها من الدلالة اللغوية؟ أم من معاجم البلدان والجغرافيا؟ أم من وجودها التاريخي وصولا إلى وجودها الواقعي-الراهن؟ أهي ما آلت إليه، أم هي مجموع حقبها ومراحلها على مر التاريخ؟ أهي المكان أم الزمان أم الإنسان؟ أهي الموقع والموضع والبيئة؟ أهي خليط من كل ذلك؟ وهل تضيف تأملاتنا "الثقافية" تعريفات أو تحديدات مهمة للمدينة؟؟
كتب جبرا إبراهيم جبرا عام 1965:
"مدينة القدس ليست مجرد مكان: إنها زمان أيضا. فهي لا يمكن أن ترى بوضوح ضمن نطاقها الجغرافي المحدود وحسب، لأنها حينئذ لن تفهم. إنها يجب أن ترى في منظورها التاريخي، وترى كأن التاريخ –تاريخ أربعة آلاف من السنين-اجتمع في لحظة واحدة، هي اللحظة التي يراها المرء فيها. في هذه المدينة التاريخ حي، ينطق به كل حجر. إنه تاريخ مليء بالتناقض، مليء بالفجيعة. ولكنه أيضا تاريخ مدينة عشقتها البشرية جمعاء، لأنها لم تكن يوما مجرد مدينة مكانية من حجر وطين وتجارة وسياسية. لقد كانت دوما مدينة الحلم والتوق وتطلع النفس البشرية إلى الله. لقد وقفت شامخة على جبل، تنظر إلى البحر من جهة وإلى البادية من جهة أخرى. وبين جدرانها جمعت معاني البحر ومعاني البادية: قوتين حضاريتين في تفاعل أبدي. وفي هذا التفاعل سر مأساتها وسر عظمتها"[1].
وكتبت حذام قدورة وسهام ملكاوي عام 2009 عن شخصية القدس استنادا إلى مزيج من الرؤى من أبرزها رؤئ: جمال حمدان وعبد الوهاب المسيري وحسن فتحي لعل هذه الرؤى تعين في قراءة شخصية مدينة القدس التي تتجمع فيها تداخلات شتى وتفيض أو تزيد عن الأدوات المعهودة في قراءة المدن. وتنوه الباحثتان بقراءة جمال حمدان انطلاقا من ثنائية (الموضع والموقع)[2]. وتقول الباحثتان في ضوء ذلك: "وتفلت المدن التي تمتلك مواضع خارقة من كل حتم جغرافي. ثمة أحداث ورؤى، معتقدات كانت أم خرافات، هي التي تحدد في نهاية المطاف انتخابها المكاني وفق عوامل عاطفية غير تعقلية؛ بمعنى أنها عوامل ميتافيزيقية. هي مدن لا تخضع للمنطق الجغرافي في نشأتها. أما مدينة القدس فهي تختلف عن غيرها من المدن الدينية التي تمتلك مواضع خارقة كمكة والمدينة. فانتخابها المكاني يتحدد وفقا لنقطة ما مقدسة في المدينة....وإذا كانت فلسطين في قلب عالم العرب، فإن القدس هي قلب فلسطين. وهنا يتقاطع الموقع مع الموضع لتتحدد شخصية المدينة. فللمدينة موقع فعال يحمل مغزى ودلالة بشرية ومدنية....ولتكون القدس مدينة موضع وموقع معا"[3].
تمتلك القدس –المدينة الأسيرة المحتلة- سحرها النادر الخاص، وتمتلك جاذبيتها وأسئلتها وتحدياتها، مستندة إلى رمزيتها المركبة، ووظيفتها الثقافية-الحضارية، وإلى "قدرها" المتكرر بوصفها مدينة الحرب والسلام معا. وبوصفها مطمحا تطلع إليه المحتلون وبنوا من أجله سردياتهم التي أسست لاحتلالاتهم على مر التاريخ. إنها مدينة كنعانية عريقة القدم موغلة في التاريخ. وهي أيضا مدينة دينية، جللتها القداسة وارتبط بها الوجدان الإنساني كله. وقد مثلت قبلة أولى للمسلمين، كأنها الاتجاه المقدس الذي يتطلعون إليه لتجتمع فيه الأبصار والقلوب والنيات والآمال. ومثلت موقعا مؤثرا من خلال حضورها في قصة "الإسراء والمعراج" بوصفها نقطة الرحيل إلى السماء. وباركها القرآن وما حولها في آية الإسراء "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" (الإسراء، الآية1).  وأما ارتباطها بعمر بن الخطاب وعهدته العمرية فمثلت دخولها في الإسلام صلحا، مع الاحتفاظ بطوابعها المسيحية وبحرية كنائسها وعباداتها. ومذ ذاك مثلت رمزا صادقا للتسامح والتآلف بين المسلمين والمسيحيين، وظل المسجد جارا للكنيسة يحيي كل منهما الآخر كل يوم. إنها الزمان والمكان..التاريخ والجغرافيا..السماوي والأرضي..الحرية والانعتاق..الواقعي والمتخيل..الشعري والسردي..الممكن والمستحيل..الواضح والغامض...إنها مجمع الثنائيات وجوهر التقائها..وهذا شيء من معنى جبرا: إنها زمان ومكان معا. وشيء من معنى: إنها موضع وموقع في آن.

 (2)
في عهدها القريب تعرضت للقدس للاحتلال، الذي قلب حياتها وهدد وجودها، ولم يكتف الاحتلال البغيض بما يقوم به على الأرض فعليا، وإنما امتد الصراع إلى ذاكرة القدس وتاريخها وهويتها وثقافتها، فجرت عملية تزوير واسعة النطاق قادها الأدب والفكر الصهيوني وروج لها ترويجا واسعا: من خلال علم آثار مزور ومن خلال سرديات أسطورية يجري تحويلها قسرا إلى واقع على الأرض، ومن خلال أشعار وروايات وسير وقصص ورسومات وفنون وأشكال "ثقافية" كثيرة يجري دعمها وترويجها تماما كما يدعم جيش الاحتلال. ولا نريد أن نتحدث عن صورة القدس في الثقافة الصهيونية فلهذا الموضوع مظانه ومتخصصوه ولكننا نلمح إليه لنشير أن الصراع اللغوي والثقافي هو قسيم أساسي في معركة القدس وفي مواجهة الاحتلال.
وما تزال محاولات الاحتلال مستمرة في إيذاء المدينة والاعتداء عليها وتزوير حقيقتها، وهو لا يكتفي بتهويد المدينة والإمعان في اتخاذ خطوات تدريجية متسارعة في هذا السبيل، وإنما يقوم بذلك مترافقا مع احتلال تاريخها وثقافتها وسرقة هويتها، ويتم ذلك بأدوات لغوية وتاريخية وفكرية تشارك في الحرب على القدس. لقد تم اختصار القدس في صورة مدينة يهودية في كتاب شارك فيه أدباء عرب كتبوا عن مدن أخرى، أما القدس فتم تقديمها كمدينة يهودية يكتب عنها كاتب يهودي غاز لا حظ له من ذاكرة المديمة. ومنحت نوبل لأديب صهيوني أقام في بيت احتله له الجنود في القدس بينما منحت نوبل لمرة واحدة لأديب عربي لم يكتب كلمة واحدة عن القدس ولا عن الصراع العربي الصهيوني. وتخصص عدد من مدعي الثقافة الصهيونية للتحقق من صدق الصور التي نشرها إدوارد سعيد في سيرته خارج المكان وفزعوا من تأثير الصور وذكريات إدوارد عن قدسه وبيت طفولته.
 تدور المعركة الثقافية حول القدس بأسلحة متعددة خطرة، وهي مرافقة وموازية لما يدور على الأرض من حرب غير متكافئة تتفوق فيها الآلة العسكرية الظالمة على المدينة المقدسة العزلاء، وعلى حراسها القليلين الصامدين. ولكن أين نحن في هذه المعركة؟ أية ثقافة أقوى وأشد رسوخا؟؟ وهل يمكن أيضا أن ننهزم ثقافيا وفكريا امتدادا لهزيمتنا العسكرية والسياسية؟؟ ومن يدير تلك المعركة؟ هل هي معركة المقدسيين وحدهم؟ أم هي معركة الفلسطينيين منفردين؟ أم هي معركة تخص الأمة العربية والإسلامية أيضا؟؟ هل هذه استفسارات سياسية أم ثقافية وهل تنفصل الثقافة عن السياسة وعن الحرب الدائرة على كل شبر ومعلم ولون وخط وحرف وحجر وحبة رمل في القدس؟؟
تمتلك الثقافة العربية في مسألة القدس فرصا لا حصر لها للمقاومة التي تفضي إلى تحقيق إنجازات كثيرة تبقي الطريق مفتوحا للحفاظ على الهوية الثقافية للمدينة، وتعيق ما يمارسه الاحتلال من محو وتهويد مستمرين، تمتلك الثقافة فرصا لتخوض معركتها بروح جديدة فتجدد مراحل من المقاومة الثقافية التي لم تتوقف. ولسنا نقصد ثقافة بكائية مهما تكن الغنائية مطلوبة أو قريبة من الروح. لا نريد لوتر الغناء الذي يسيطر على وعينا وصوتنا الشعري منذ القديم أن يتسيد التعبير عن القدس كي لا تتحول القدس إلى أطلال جديدة نبكيها، ولا لتصير أندلسا جديدة نوظفها في بكائياتنا...فالقدس ليست الأندلس وليست اي مكان حل فيه العرب والمسلمون ثم رحلوا.. ليست القدس مكانا قابلا للاستبدال أو للنسيان أو التنازل...إنها هوية جمعية بكل معنى..مقدسيا وفلسطينيا وعربيا..وبهذا الوعي نريد للثقافة أن تتعامل معها. بوصفها القدس الصامدة المقاومة..ولا نريد أن نجدد رثاء المدن، فالقدس حية مستقلة حرة كما يريد لها الضمير الثقافي الجمعي..

 (3)
يتسع مدلول الثقافة لمعان لا تكاد تحصر، ومن بين ما تدل عليه ارتباطها بالتعلم والتقدم والتحضر، كما أنها تعني أسلوب أو نمط حياة، أو هوية لجماعة أو فرد، وقد تقصر أحيانا على الإنتاج الأدبي والفني، وقد تتسع قليلا لتشمل المعرفة والعلم. يوصف بها الأفراد كما توصف بها الشعوب والجماعات...وقد تقسم إلى أنماط فيقال: ثقافة نخبة، وثقافة شعبية وقد يقال: ثقافة المرأة وثقافة الطفل...في وصف أنواع تخص فئات محددة داخل المجتمع..وقد تمتد لتشمل أمورا تتصل بالإدارة والصناعة الثقافية وبالظروف المعيشية والاجتماعية واليومية لمن يرتبطون بالثقافة وبإنتاجها وإدارتها. وقد تحد –أحيانا- بالجوانب المعنوية والروحية دون المادية (التي تشملها الحضارة) وقد يتداخل الجانبان المعنوي والمادي في صورة من صور تجاوز الظواهر الإنسانية حدود التعريفات.
وهناك تعريف قديم معروف وضعه تايلور حيث عرف الثقافة بأنها "كل مركب يشمل المعرفة والعقيدة والفن والقانون والأخلاق والممارسات وأي إمكانات أو عادات يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع".
حين نفكر في علاقة القدس بالثقافة من جهة، وفي دور الثقافة في خدمة القدس لا بأس أن نستعيد هذه المعالم والخطوط مما تعنيه الثقافة وتدل عليه في امتداداتها المتنوعة. ونقرب بها من معنى "الهوية" أي ما يطبع الجماعة بطابعه وما يجعل كل فرد من تلك الجماعة منتميا بدرجة ما إلى تلك الهوية. أما المبدعون أو المنتجون في مثل هذا الحال فهم لسان حال الجماعة، وسبيلها لتعريف نفسها والدفاع عن ذاتها، ومقاومة ما يتعرضون له من محاولات "المحو" وإلغاء الهوية أو تضبييبها وإخفاء معالمها.
وفي ضوء ذلك يتحمل المثقف دورا مضاعفا، إذ مهما تكن صورة الواقع مهزومة وسيئة وقبيحة ومهما تكن معاناته الشخصية كإنسان يعيش ذلك الواقع فإن ما يميزه عن غيره إن كان مثقفا بالمعنى الجوهري إيمانه بدوره ورؤيته لجوهر الصراع الذي لا يتوقف عند مرحلة أو حدث أو معركة من المعارك. ولذلك فإنه مع أهمية تقديم الصورة الراهنة أو الواقعية فإن عليه أن يقدم الصورة المأمولة ويقدم بريق الأمل لا ليكذب على مجتمعه، وإنما لأنه يرى حقا أطياف الأمل وبذور الانتصار وهي تولد من وسط الخراب. يراها في التاريخ ويقرأ استمرارها وحضورها. الأديب والمثقف ينبغي أن لا يهزم إن هزم العسكر والساسة واعترفوا بالأمر الواقع. الأدب يقرأ الواقع ويعايش الهزائم ويصورها ويسجلها ولكنه أيضا يقدم في قراءته تلك الرؤية التي تتجاوز الواقع وقواعده وظروفه ليتجاوز كل ذلك مستندا إلى قوة الثقافة وقوة الحق، وإلى مسؤوليته الأخلاقية والجمالية للدفاع عن هذه المدينة المقدسة، بل سيدة المدائن وزهرتها بكل معنى.

(3)
قد يكون تفاعل الشعر العربي والفلسطيني أوضح من تفاعل الأنواع الأدبية والثقافية الاخرى مع مدينة القدس، ولسنا بصدد دراسة هذه القصائد، وإنما حسبنا الإشارة إلى ما فيها من تنوع وتفاوت، مع غلبة الطابع الغنائي، استجابة لطابع أصيل في الشعر العربي ولطبيعة التفاعل مع مدينة محتلة مأسورة. ومن العلامات البارزة: قصيدة محمود درويش المبكرة-1967 (تحت الشبابيك العتيقة) وقصيدته المتأخرة-.... (في القدس):
"في القدس، أعني داخل السور القديم..
لا أمشي أطير أصير غيري في التجلي
لا مكان ولا زمان فمن انا
أنا لا أنا في حضرة المعراج لكني
أفكر وحده كان النبي محمد
يتكلم العربية الفصحى. وماذا بعد
ماذا بعد؟ صاحت فجأة جندية:
هو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟
قلت: قتلتني ونسيت مثلك أن أموت". لا تعتذر عما فعلت ص52

وأما قصيدة عز الدين المناصرة (القدس عاصمة السماء) 2009 فقصيدة هامة في سياق تشييد صورة القدس الشعرية، بما فيها من مادة معرفية وثقافية وتاريخية ذابت في نسيج القصيدة وكونت كلماتها.
أما قصيدة زهرة المدائن: يا قدس يا مدينة الصلاة عيوننا ترحل إليك كل يوم..قصيدة توفيق زياد التي غدت أغنية فيروزية ذائعة. وهي لا تختلف عن كثير من غيرها تؤدي وظيفتها العاطفية والغنائية باقتدار.
ولكن الشعر العربي دخل في العقود الأخيرة في مراحل من المحو والتضبيب على كل ما له علاقة بالمكان والهوية. وتأثر الشعر الفلسطيني بذلك وتأثرت ضمن ذلك صورة القدس وصار حضورها خجولا..وغائما..وسطحيا في كثير من الأحيان..
ومن العلامات عند الجيل الاحدث من الشعراء الفلسطينيين القصيدة التي اشتهرت لتميم البرغوثي..وتأخذ بنية جولة يقوم بها الشاعر أو الذات الشاعرة وتعكس تفاعل تلك الذات مع المكان بتعقيداته المتنوعة.
أما في المجال السردي فقد قدمت القصة القصيرة الفلسطينية والعربية نماذج متعددة تستوحي صورة القدس في فترات مختلفة من تاريخها الحديث. ومن علامات هذه المسيرة ما قدمه محمود شقير وخليل السواحري وغيرهما في الستينيات من القرن الماضي. كما في قصة "البلدة القديمة" لشقير وقصص مقهى الباشورة للسواحري.
وانقطع هذا الإنتاج بعد إبعاد الكاتبين خارج وطنهما. وبعد سقوط القدس عام 1967 وما حل فيها من فراغ بعد توقف الأفق الجديد وإغلاق منافذ الثقافة في المدينة قبل أن تنشأ بدايات جديدة في الأعوام اللاحقة.
وجهد محمود شقير منذ عودته إلى الوطن بعد إبعاد دام قرابة عقدين من الزمان جهد جدير بالاهتمام فقد كثف من الكتابة عن القدس بأسلوب أدبي متميز: كتب القصة القصيرة وكتب رواية تتصل بالقدس بصورة أو بأخرى. وكتب اليوميات وألوانا من الادب السيري والشخصي تؤرخ بصور متنوعة لحياة المدينة ولمقاومتها التي لا تتوقف. وتتميز كتابته بوعي خاص بما فيه من رؤية نقدية قادرة على قراءة الواقع ونقده. وعدم تبجيله تبجيلا يغطي على اختلالاته وعيوبه.
أدب السيرة والمذكرات واليوميات
مرت أطياف وصور هامة للقدس فيما نشر من سير ومذكرات ويوميات تخص كثيرين: جبرا، السكاكيني، النشاشيبي، واصف جوهرية، إدوارد سعيد، حازم نسيبة، إحسان الترجمان، عايدة النجار، ...
إن الضجة التي قامت على إثر صورة بيت أسرة إدوارد سعيد في سياق سيرته الذاتية تدلنا على خطورة التفاصيل الأدبية وأهميتها في آن. لقد أثار بهذا التفصيل دوائر صهيونية أمرييكية رأت في فعله خطابا يهدم الصورة الأسرائلية التي جرى تسويقها من دون رواية مقابلة. فكيف لو كتب آخرون صورهم وبيوتهم.
وقدمت عايدة النجار في كتابها السيري-التوثيقي (القدس والبنت الشلبية) جهدا يستحق الإشادة، فهو كتاب أقرب إلى فن السيرة يجمع بين الصورة والمعلومة والأثر الأدبي الشفاف ويوثق للحياة الإنسانية والتعليمية والاجتماعية في القدس من منظور تجربة المؤلفة ومحيطها وعلاقاتها في الخمسينيات والستينيات. ويمكن لهذا الكتاب أن يكون منبعا وموردا لكتب أدبية وإبداعية تستند إلى صوره ومعلوماته وروحه. فضلا عن دوره في توثيق الحياة الاجتماعية والإنسانية في مرحلة مؤثرة من مراحل حياة القدس وناسها.
الكتاب على بساطة فكرته مؤثر وقيم. ويدلنا على الحاجة الماسة لتقديم القدس في كل جوانبها لتقريب صورتها التي غمضت وانتزعت لحصرها في صور نمطية مكررة مهما تكن قيمتها فإنها لا ينبغي أن تطرد غيرها أو تغيب الصور الأخرى التي ربما تكون مفيدة للأدب وللكتابة أكثر من الصور النمطية.
الكلية العربية
هناك مجموعة سير كتبها أدباء وعلماء ممن تعلموا في الكلية العربية في ثلاثينات واربعيات القرن الماضي وهي تقدم أيضا صورة للنظام التعليمي ولبعض اعلام القدس وفلسطين في تلك الفترة ممن عملوا في الكلية العربية.
سير أعلام القدس ويومياتهم. بل سير العائلات والأسر المقدسية وسير الناس العاديين وصورهم ووثائقهم ومعالم حياتهم. كل ذلك يغدو مادة ثقافية هامة في تثبيت صورة القدس ومنعها من الامحاء.
الرواية هي الفن الذي لم يزل ناقصا في القدس، ومع أن عددا من الروايات الفلسطينية والعربية قد اتخذت من القدس موضوعا ومناخا لها، إلا أنها تعد محدودة سواء من الناحية الكمية أو النوعية. ويمكن القول مع التقدير للمحاولات المنجزة حتى الآن أن رواية القدس لم تولد بعد. الرواية العظيمة العالمية التي تستند إلى عظمة المدينة وتركيبها الثقافي والاجتماعي والتاريخي العظيم الغزير.
- درس صديقنا الدكتور حسن عليان في كتاب ضخم عنوانه: القدس الواقع والتاريخ في الرواية العربية (2012) فلم يجد شيئا ذا بال. وأعلن عجبه واستغرابه من هذه الجعجعة المزعجة التي لا ينتج عنها بضع روايات جيدة. وأنتم تعلمون مكانة الرواية كفن حديث مربتط بالمدن وقادر على تقديم قراءات مستفيضة تتصل بالمكان ودلالاته وروحه وقادر على النفاذ إلى نفس القارئ وإلى روحه ووعيه. وفي المقابل واجهنا الاعداء بسلسلة لا تنقطع من الروايات بأكاذيبها وتهيؤاتها ولكنه قام بواجبه في الدفاع عن باطله. بينما لم نقم نحن بواجبنا في الدفاع عن حقنا.
- ودرس الناقد وليد أبو بكر الرواية الفلسطينية المتصلة بالقدس وخرج بنتيجة قريبة مع فارق الألفاظ.
- وأعرب محمود شقير عن قلقه أيضا من الحضور الناقص للقدس في ادبنا الحديث.
- وأنا أيضا أضم صوتي إلى أصواتهم. ليس فقط متابعة لهم وتسليما بما انتهوا إليه ولكنني قبل هذه الندوة وأثناء التحضير لها لم اجد شيئا ذا بال يصح أن نرى فيه ذلك الأدب المأمول الرفيع الذي بمقوره أن يدافع عن القدس ويحسن تقديم صورتها بشروط تجمع بين قوة الادب وقوة الحق معا. ثمة صورة مبلبلة مضطربة وثمة هروب غير عفوي من التزامات القدس.

اللغة والأسماء ومحاولات المحو والتغيير:
للقدس أسماؤها، كل معلم منها مسمى، ويختزن في الاسم تاريخا وهوية-هويات..للمدينة أسماء، ولبواباتها أسماء، للأحياء أسماء، الشوارع، المساجد والأماكن الدينية، "الأسماء رموز تكثيف لمعان مضمرة، تتعمق عبر الاستخدام اليومي بشكل تراكمي، يسهم في كتابة تاريخ المكان. ربما كان الصهاينة على درجة عالية من الوعي بتلك الخصوصية المعرفية والسيكولوجية للأسماء؛ الأمر الذي دعاهم بعد أن أصبحوا متأكدين من جبروت قوتهم إلى تغيير جميع اللافتات المؤدية من القدس وإليها، إلى أسماء عبرية تهدف إلى تكريس تاريخ جديد لغرس مفهوم اليهودية الطارئ على هذه الجغرافيا. ترى إلى أي مدى يمكن أن يتورط الصهاينة في فعل التغيير هذا؟ هل سيطال رموزا راسخة كأسماء المقدسات والبوابات العتيقة؟؟"[4].
(مثال: حي تلبيوت هو تشويه لاسم حي الطالبية العربي في تاريخه وأصله)
إن التطور اللغوي الطبيعي في الأسماء وغيرها شيء مختلف تماما عن صور الاحتلال اللغوي والمحو العدواني الذي يقصد منه إخفاء الحقيقة، وإذا كانت الأجيال السابقة والمعاصرة تعرف الأسماء العربية وتستعملها فإن الأمر خطير في المرحلة القريبة القادمة، فللاسم سلطة الاستعمال وقوته، وينبغي مواجهة هذه الظاهرة اللغوية وتتبع ما جرى تغييره من أسماء بكل السبل، للمحافظة على قسم أصيل من هوية المدينة مما يختبئ في الأسماء وما يعكسه كل اسم من ذاكرة ثقافية تضحي مفردة مقاومة بمجرد بقاء الاسم واستمرار حياته.


(4)


وحين ننظر في الأدب العربي الفلسطيني والعربي الحديث نجد جهودا جديرة بالتقدير والاهتمام تطوع أدباء وفنانون لتقديمها. ولكنها تظل جهودا غير منظمة وغير مدعومة وفردية في معظم الأحيان. ولم يتشكل تيار فكري أدبي فني يتخصص في القدس ويجعل منها معركته الأساسية وهي بلا شك تمتلك مواصفات المكان الممتد الذي يتسع لكل حاجات الادب والفن والفكر.
-لقد لعب البعد عن المكان وعدم إمكانية التفاعل معه مباشرة دورا في ذلك فمعايشة المكان ولو مؤقتا تبدو مقدمة مهمة للكتابة عنه بالمعنى الإبداعي. وإن يكن في المتخيل فرصة واسعة لذلك.
- شهدت القدس تفريغا ثقافيا واسعا بعد توقف مجلة الأفق الجديد المقدسية عام 1966 وكأنها تحضير لاحتلال المدينة وبعد الاحتلال تم إبعاد عدد من رموز الأدب والفكر كمحمود شقير وخليل السواحري وسعيد مضية وغيرهم وظل الفراغ قائما لزمن طويل.
- ظل طابع الاهتمام بالقدس شعاراتيا وسياسيا بائسا، بعيدا عن تحويل ذلك إلى مشاريع ثقافية وإبداعية عميقة.
- صراع الطبقات التي احتاج تفكيكها إلى صدمات كثيرة أخر ظهور بيئة ثقافية متنورة تعي ما تتعرض له المدينة بطبقاتها وبمحيطها وبوجودها كله.
-ظل المقدسيون وحدهم في مواجهة الاحتلال بلا اي دعم أو مساندة حقيقية في المستوى الثقافي والحضاري.
-اليوم وفي ظل إمكانات التواصل الحديثة نأمل ان تتواصل الحركة الثقافية في القدس وحول القدس على المستوى العربي كله. وأن تولى إبداعات المقدسيين من أبناء المدينة وسكانها الاهتمام كل الاهتمام لأن تلك الإبداعات يمكن ان يخرج منها أعمال رفيعة تدافع عن المدينة وهن لغتتها وهويتها. وفي هذا الجانب ندعو للاهتمام باللغة العربية في الكتابة بوصفها احد أشكال الدفاع والمواجهة بعيدا عن اية دعوات لإضعاف الاهتمام بها بدعاوى أدبية مغرضة.
- لقد ظهرت كتابات "أدبية" كثيرة خلال النصف الثاني من القرن العشرين حول القضية الفلسطينية وحول القدس، ولكن القليل منها فقط أثبت حضوره ووجوده استنادا إلى قيمته الأدبية التي تكفل له الاستمرار. لقد أثبت ذلك أن الموضوع وحده لا يكفي لضمان تأثير الأدب وحياته، نحن محتاجون إلى تطوير بيئة أدبية تتمكن من إنتاج أعمال نحتاجها مضمونا ورؤية فوي الوقت نفسه تصمد وتجترح آفاقا إبداعية وأدبية وتتفوق من ناحيتها الأدبية فذلك وحده يكفل لها ما نريد من أثر. لقد خاض الأدب الفلسطيني تجربة أدب المقاومة ولم يبق منه إلا اعمال قليلة مؤثرة. ومع ذلك فمن دون الحرص على حضور القدس وتشجيع الكتابة عنها لا بد من أن يبقى هذا الملف مفتوحا ولا يغلق بدعوى أدبية كالتي أشرنا إليها، نريد كما كبيرا يطور التجربة ويسمح بتناميها وصولا إلى الاعمال المطلبوبة الرفيعة المؤثرة.
كيف يمكن بذل المزيد من الجهد لتقوية تيار ثقافي "مقدسي" الرؤية ينجز ويبدع ويطور إنتاجه حتى يغدو ظاهرة من ظواهر أدبنا وثقافتنا؟ تيار مستمر لا تيار موسمي. تيار راسخ عميق لا تيار احتفالي مهرجاني.

قدمت جهود كثيرة في مجال الثقافة بأشكالها المختلفة، وهي بلا شك متفاوتة، ويصعب أن يحاكمها فرد واحد ناهيك عن اتساعها وتشتتها بين مصادر ومظان متعددة. ولكني عوضا عن التورط في مثل هذه المغامرة غير المأمونة، سأحدثكم عن جوانب أعرفها أكثر من غيرها وتتركز في الجانب الأدبي السردي.
(6)
توصيات: برنامج ثقافي للاهتمام بالقدس
-   التوثيق: ويقتضي ضرورة تنظيم توثيق تراث القدس بكل تجلياته الدينية والمعمارية والشعبية والاجتماعية. فالقدس مهددة فعلا ولا مجال للتغاضي عن ذلك. ولا بد من توفير صورة دقيقة مفصلة عن كل وجه من وجوه القدس وثقافتها بكل امانة وبكل الوسائل التوثيقية الممكنة، بالتصميم المعماري والتصميم الفني بالتصوير والنحت والكتابة باستخدام الحاسوب ووسائل التوثيق الإلكتروني.
-       الثقافة الشعبية والحياة الاجتماعية:
-       أرشيف القدس: ويشمل وجودها في مختلف الصادر العربية والأجنبية وما ألف عنها
-   التأليف والبحث العلمي: إخضاع المادة المقدسية الموثقة للدراسة والبحث في مختلف المجالات التي تتصل بها تلك الجوانب.
-   الإبداع الأدبي والفني: دعوة المبدعين الفلسطينيين والعرب والمناصرين للتفاعل مع القدس وإبداع اعمال جديدة تستوحي المدينة المقدسة كلك حسب رؤيته ونوعية إبداعه. دعوة النقاد والباحثين للاهتمام اهتماما نوعيا وخاصا بما يكتب حول القدس ونقده وتقويمه ليساهم النقد الادبي والفكري في تطوير تناول موضوع القدس في الإبداع الادبي الذي تتميز به اللغة العربية. وثم تركيز جزئي ومهم هنا يخص أهمية كتابة "سيرة القدس" سيرة المكان وسيرة الإنسان. ولكن هذا الفن قد يكون أقرب لمن عاشوا في القدس وعايشوها من الأجيال المقدسية الأولى والجديدة. السيرة الذاتية تقدم تجربة إنسانية مهمة ويستقبلها القراء بحفاوة. وهي قادرة على توثيق عشرات بل مئات التجارب والشهادات التي كلما ارتفعت قيمتها الفنية توثقت الصورة الثقافية والإنسانية للمدينة. نحن مقصرون تركنا القدس ضبابية في صورة متعالية خالية في كثير من الأحيان من هذه الظلال التي تقرب المدن من الوجدان الإنساني الجمعي. وفي هذا المجال كان للسير والمذكرات واليوميات القليلة التي صدرت لعدد من الأعلام قيمة كبيرة واستقبال حسن وما تزال بالمعنى الأدبي والوثائقي مصدرا مهما يفتش فيه الناس عن عبق القدس وإنسانيتها...
-   ثقافة الأطفال: نفردها مستقلة لاعتقادنا ان هناك دورا مهما في هذا الجانب وإنتاج أعمال إبداعية ووسائل تعليم وألعاب وبرامج ذات صلة بالقدس في كل هذه المجالات
-   التعليم: التركيز على القدس والثقافة المقدسية في المناهج التعليمية في المدارس والجامعات، وإيلائها الاهتمام في نشاطات الطلبة وتزويد المكتبات المدرسية والجامعية بكل ما له صلةب القدس وثقافتها...والقيام بجهود متزايدة لتعميق مكانتها والوعي بالمخاطر التي تهددها في نفوس الشباب والنشء الجديد.
-   المكتبات والمعلومات: كانت القدس حاضرة علمية وثقافية وفيها مكتبات مشهورة عامة وشخصية. فيها كتب ومخطوطات. ولقد تعرضت للسرقة والنهب. وبعضها توزع هنا وهناك . فهل من سبيل لجمع هذه المكتبات والمطالبة بما تبقى منها..والمحافظة على ما يمكن جمعه والوصول إليه. ولا بد من بناء مكتبات للقدس تشمل مصادرها ووثائقها ومعلواتها ويشل ذلك بناء قواعد معلوات وبيانات وفق قواعد علمية حديثة.
-   الاستعانة باليونسكو وبالهيئات المعنية بحفظ التراث العالمي والإنساني وخوض معارك سياسية وثقافية في الأمم المتحدة لكشف ألاعيب العدو المحتل واعتدائه السافر المستمر على هذا المكان العربي-العالمي.
-   الدراسات الاكاديمية والعلمية: التاريخ والجغرافيا والآثار والدراسات الإنسانية والثقافية بعامة. ضرورة استمرار هذا الحقل مع العمل لإتاج دراسات جديدة بمناهج مستحدثة ترتفع إلى مستوى الصراع ومسؤوليته. مع علمنا بوجود تيارات مؤثرة من المؤرخين الجدد وقوافل من علماء (أو مزوري وسارقي) الآثار الذين يعيثون فسادا في تاريخ هذا المكان وفيما تبقى من معالمه. ولا يستجيبون لأية قرارات لليونسكو وغيرها من المظمات الدولية التي تدعو حتى بالمعنى العلمي للمحافظة على الاماكن التاريخية وعدم تغيير معالمها والعبث فيها. وبالتأكيد لا يتاح للعربي ان يقترب من القدس لتقديم دراسته وبحثه وقراءته. فالمدينة محتلة وثقافتها محتلة أيضا. والاهتمام بتحقيق ما لم يحقق من مخطوطات ووثائق وحفظها بالوسائل الحديثة. ودراسة أعلام القدس في المجالات الثقافية والعلمية والفنية ....ودراسة سجلات القدس في العصر العثماني وهي وفيرة في الأرشيف التركي..
-   اللغة والمعاجم: الاهتمام بالدراسات اللغوية سواء التي تدرس اللهجة-اللهجات في القدس ومحيطها..والدراسات التي تدرس اللغة المعاصرة واية تغييرات او مخاطر لها بتأثير العبرنة والتهويد فثم احتلال لغوي قادم او ممارس. وفي مجال المعاجم نحن محتاجون إلى معجم شامل للثقافة المقدسية يضم المفردات والمصطلحات ذات الصلة لحصرها وبيان أصولها ونقدها لتسهيل إيصال المعلومات حول القدس وتعميق ثقافتها ونشرها.
الفنون: التركيز على القدس في مختلف أشكال الفنون: الرسم والموسيقى والغناء والمسرح والدراما والأفلام..لما للفن من تأثير جماهيري متزايد. والعمل على دعم الفن الملتزم بعامة والفنون المرتبطة بالقدس على وجه الخصوص.
الترجمة: هناك مكتبة عالمية كتبت بمختلف اللغات العالمية تتصل بالقدس. ومن المناسب الاتصال بهذه المكتبة وترجمة أعمال مختارة منها وخصوصا ما يخدم قضية القدس. ويعزز مكانتها. فضلا عن أهمية جمع كل ما له صلة بلاقدس سواء اتفق مع مواقفنا أم لم يتفق. فمعرفيا لا بد أن نتابع كل ذلك ونعرفه ونواجهه في صورة جادة من صور الاهتمام بالقدس بوصفها مدينتنا وجوهر وجودنا وصراعنا مع الغاصبين.



[1] . جبرا إبراهيم جبرا، القدس، مجلة حوار، ع18، بيروت، 1965، ص5. وقد كتب د.محمد عصفور مقالة هامة عن (جبرا إبراهيم جبرا والقدس) افتتحها بالفقرة المذكورة وهي مفتتح مقالة جبرا عن القدس التي جمع فيها بين القراءة الثقافية التأملية والتجربة الشخصية عبر استذكاره لسكناه مع أسرته في جورة العناب في القدس. وهذه المقالة تؤكد لنا أهمية الكتابات الواعية العميقة التي لأصحابها صلة بالقدس وخبرة بجوها ومناخها الاجتماعي وروح المدينة في أزمنتها المختلفة. ومن الملائم أن تستخرج مثل هذه الكتابات ويعاد الاهتمام بها. (مقالة د.محمد عصفور في المجلة الثقافية، الجامعة الأردنية، العدد السابع والسبعون، 2009، ص20-31).
[2] . "ويقصد بالموضع البيئة بخصائصها ومواردها في ذاتها، أما الموقع فهو صفة نسبية تتحدد بالنسبة إلى توزيعات الأرض والناس والإنتاج حول المدينة، وتضبطه العلائق المكانية التي تربطه بها. والموضع خاصية محلية داخلية ملموسة، أما الموقع فهو فكرة هندسية غير منظورة". وتضيف قدورة وملكاوي –نقلا عن حمدان- "ليس للمدن الدينية مواقع، ثمة مواضع فقط، ومواضع خارقة. فالموقع منطقة بينما الموضع نقطة".
[3] . حذام قدورة وسهام ملكاوي، شخصية القدس، مرجع سابق،
[4] . حذام قدورة وسهام ملكاوي، شخصية القدس،في: مجلة المنتدى، العدد 245، المجلد الرابع والعشرون، 2009، منتدى الفكر العربي، عمان، ص77.